ابن أبي أصيبعة
485
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
يا حكيم : إيش هذا الترياق الذي قد عملته ، واشتهر نفعه للناس هذه الشهرة العظيمة ولم تعلمني به قط ؟ . فقال له : يا مولانا المملوك ما يعمل شئ إلا لمولانا ؛ لأنه هو الذي أنشأه « 1 » ، فإذا صحت له تجربته ذكره لمولانا على ثقة ، وإذ قد صح هذا لمولانا ، فقد حصل المقصود . فقال له تمضى ( الساعة ) « 2 » وتحضر لي كل ما عندك منه ، وترك خادما قاعدا على الباب في انتظاره ، ورجع « 3 » إلى داره كأنه لم يطلع القلعة في تلك الليلة ، ولا خرج من الدار في تلك الساعة « 4 » ، إلا لهذا المهم خاصة . فمضى الحكيم المذكور إلى داره ، فوجد عنده من ذلك الترياق شيئا يسيرا ، لأن الخلق كانت تفنيه مما يطلبه منه ، فمضى إلى أصدقائه ، الذي كان أهدى لهم منه شيئا ، ورجع « 5 » منه مقدار أحد عشر درهما ، ووعدهم بأنه يعطيهم عوضا عنه أضعافا ، فجعله في برنية فضة صغيرة ، وكتب عليه منافعه ، ومقدار الشربة منه ، وحملها إلى الخادم المذكور القاعد في انتظاره ، فحملها إلى السلطان ، ولم يزل حافظا لها ، فلما ألمته أسنانه دله عليها ، فحصل له منها من الراحة ما ذكر . ومن حكاياته : كان قد عرض لبعض جهاته مرض ، عجز عن مداواته ، فسيرت تلك الجهة تقول له ، أنا أعرف أن السلطان لو عرف أن في الديار المصرية طبيبا خيرا منك لما سلم نفسه وأولاده إليك ، من دون كافة الأطباء ، فأنت ما تتوانى في مداواتى من قلة معرفة ، بل من التهاون بأمري . بدليل أنك تمرض فتداوى
--> ( 1 ) في ه : لأننى أنشأته . ( 2 ) ما بين الخاصرتين إضافة من ه . ( 3 ) في ه : ومضى . ( 4 ) في ه : الليلة . ( 5 ) في ه : وجمع .